سيد محمد طنطاوي

145

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والخصم : أي المتخاصمين أو الخصماء . وهو في الأصل مصدر خصمه أي : غلبه في المخاصمة والمجادلة والمنازعة ، ولكونه في الأصل مصدرا صح إطلاقه على المفرد والمثنى والجمع ، والمذكر والمؤنث . . قالوا : وهو مأخوذ من تعلق كل واحد من المتنازعين بخصم الآخر . أي : بجانبه . . والظرف في قوله : * ( إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ) * متعلق بمحذوف . والتسور : اعتلاء السور ، والصعود فوقه ، إذ صيغة التفعل تفيد العلو والتصعد . كما يقال تسنم فلان الجمل ، إذ علا فوق سنامه . والمحراب : المكان الذي كان يجلس فيه داود - عليه السلام - للتعبد وذكر اللَّه - تعالى - . والمعنى : وهل وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - ذلك النبأ العجيب ، ألا وهو نبأ أولئك الخصوم ، الذين تسلقوا على داود غرفته ، وقت أن كان جالسا فيها لعبادة ربه ، دون إذن منه ، ودون علم منه بقدومهم . . إن كان هذا النبأ العجيب لم يصل إلى علمك ، فها نحن نقصه عليك . وقوله : * ( إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ . . . ) * بدل مما قبله . والفزع : انقباض في النفس يحدث للإنسان عند توقع مكروه . أي : أن هؤلاء الخصوم بعد أن تسوروا المحراب ، دخلوا على داود ، فخاف منهم ، لأنهم أتوه من غير الطريق المعتاد للإتيان وهو الباب ، ولأنهم أتوه في غير الوقت الذي حدده للقاء الناس وللحكم بينهم ، وإنما أتوه في وقت عبادته . ومن شأن النفس البشرية أن تفزع عندما تفاجأ بحالة كهذه الحالة . قال القرطبي : فإن قيل : لم فزع داود وهو نبي ، وقد قويت نفسه بالنبوة واطمأنت بالوحي ، ووثقت بما آتاه اللَّه من المنزلة ، وأظهر على يديه من الآيات ، وكان من الشجاعة في غاية المكانة ؟ قيل له : ذلك سبيل الأنبياء قبله ، لم يأمنوا القتل والأذية ، ومنهما كان يخاف . ألا ترى إلى موسى وهارون - عليهما السلام - كيف قالا : إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى - أي : فرعون - ، فقال اللَّه لهما : لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وأَرى . . « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 170 .